موسم الذباب
ثمة ظاهرة تستحق التأمل في المشهد السياسي العربي. فبعض الأزمات لا تكتمل، على ما يبدو، حتى يُذكر اسم الإمارات العربية المتحدة. وحين يظهر اسمها، يبدأ موسم الذباب.

ثمة ظاهرة تستحق التأمل في المشهد السياسي العربي. فبعض الأزمات لا تكتمل، على ما يبدو، حتى يُذكر اسم الإمارات العربية المتحدة. وحين يظهر اسمها، يبدأ موسم الذباب.
وللذباب مواسمه، وإن كان بعضه قد قرر الاستغناء عن التقويم والعمل طوال العام.
ليس من الصعب ملاحظة هذا السلوك، لكن المثير للاهتمام هو توقيته. فكلما اشتدت أزمة داخلية، أو تعثرت سلطة في إدارة شؤونها، أو اقتربت الأسئلة من مناطق لا يرغب أحد في الاقتراب منها، وجدنا من يفتح نافذة الحديث عن الإمارات، وكأنها أصبحت العنوان المفضل لكل من ضاقت به عناوين بلاده.
وفجأة، يصبح تفسير السياسة الإماراتية أكثر أهمية من تفسير الأزمة نفسها.
ولأن السياسة لا تخلو من المفارقات، فإن بعض الذين يعجزون عن إدارة خلافاتهم داخل حدودهم، يجدون متسعاً من الوقت لتحليل نوايا دولة أخرى، وتفسير قراراتها، بل والتحدث باسم شعبها أحياناً.
وهنا تبدأ صناعة التضليل.
لا يحتاج التضليل دائماً إلى كذبة كبيرة. أحياناً تكفي حقيقة مبتورة، أو صورة انتُزعت من سياقها، أو تصريح قديم أُعيد تقديمه باعتباره حدثاً جديداً. ثم يأتي التكرار ليتولى بقية المهمة.
والتكرار، كما يبدو، أصبح عند البعض بديلاً عن البرهان.
تجد الرواية ذاتها تتنقل بين الحسابات والمنصات، بالألفاظ نفسها تقريباً، وبالغضب نفسه، حتى يخيل إليك أن الجميع قد توصلوا إلى الاستنتاج ذاته في اللحظة ذاتها. وهي مصادفة تستحق دراسة علمية أكثر مما تستحق نقاشاً سياسياً.
غير أن اختزال الظاهرة في الذباب الإلكتروني وحده يحجب جانبها الأخطر، وهو أن تصدير الأزمات أصبح لدى بعض الأطراف وسيلة لإدارة الرأي العام، وربما لإدارة العجز أيضاً.
فحين يُقنع الناس بأن مصدر أزماتهم موجود دائماً خارج حدودهم، تتراجع الحاجة إلى محاسبة من هم داخلها. وحين يصبح الخارج مسؤولاً عن كل شيء، يستطيع الداخل أن يتنصل من مسؤوليته عن أي شيء.
بهذه البساطة يمكن تحويل الفشل إلى مظلومية، والعجز إلى بطولة، والمساءلة إلى خيانة.
أما الإمارات، فتتعامل مع هذا المشهد من موقع مختلف تماماً.
فالدولة التي تعرف مصالحها، وتملك قرارها، وتدرك وزنها السياسي والاقتصادي، لا تحتاج إلى إعادة تعريف نفسها عند كل اتهام، ولا إلى الدخول في خصومة مع كل من قرر أن يجعل منها موضوعاً لخطابه.
قوة الإمارات تكمن أيضاً في قدرتها على التمييز بين ما يستحق الرد وما لا يستحق الالتفات. فليس كل ضجيج حدثاً سياسياً، ولا كل اتهام يستحق أن يتحول إلى معركة.
وهذا الهدوء لا ينبغي الخلط بينه وبين الغياب، كما أن الرقي في الخطاب لا يعني التنازل عن الحزم في الموقف.
فالإمارات دولة واضحة في مصالحها، حاضرة في علاقاتها الدولية، وقادرة على الدفاع عن سيادتها ومواقفها بالأدوات التي تراها مناسبة. وهي تدرك أن احترام الدول يُبنى على ما تفعله، وعلى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وحماية مصالحها، لا على عدد المعارك الكلامية التي تخوضها.
والمفارقة أن بعض الخطابات المعادية تمنح الإمارات، من حيث لا تقصد، مساحة أكبر من تلك التي تحاول انتزاعها منها.
فحين تصبح دولة واحدة حاضرة في تفسير كل أزمة، ومذكورة في كل خلاف، ومستدعاة عند كل إخفاق، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بالإمارات وحدها، بل بطبيعة التفكير السياسي الذي لا يستطيع فهم واقعه دون الاستعانة باسمها.
وهذا بحد ذاته اعتراف غير مقصود بحجم حضورها.
لكن الحضور لا يجعل أي دولة فوق النقد، والإمارات ليست استثناءً. فالاختلاف في المصالح والمواقف جزء من طبيعة العلاقات الدولية، والنقاش السياسي الجاد ضرورة لفهمها.
إنما المشكلة تبدأ حين يتوقف النقد عن كونه محاولة لفهم الوقائع، ويتحول إلى وسيلة لإنتاج قناعات مسبقة. وحين تصبح الأدلة تفصيلاً يمكن الاستغناء عنه، بينما يُعامل الاتهام باعتباره حقيقة مكتملة.
والأغرب أن بعض الروايات المتداولة عن الإمارات تتناقض مع بعضها إلى حد يصعب معه جمعها في موقف سياسي واحد. فهي تُتهم بالتدخل حين تتحرك، وبالتخلي حين لا تتحرك، وتُلام على علاقاتها حيناً، وعلى استقلالية قراراتها حيناً آخر.
يبدو أن المشكلة عند هؤلاء ليست في طبيعة القرار الإماراتي، بل في حقيقة أن القرار إماراتي أصلاً.
ولعل هذا ما يفسر جانباً من الحدة التي تصاحب بعض الحملات. فالدولة التي تمارس سيادتها وفق حساباتها الخاصة قد لا ترضي جميع الأطراف، لكن عدم الرضا لا يمنح أحداً حق اختراع الوقائع أو إعادة كتابة الأحداث بما يناسب خصومته.
وما يستحق القلق في هذه الظاهرة ليس ما يُقال عن الإمارات، بقدر ما تفعله هذه الممارسات بوعي الجمهور العربي.
فحين يصبح التضليل ممارسة يومية، يفقد الناس تدريجياً قدرتهم على الفصل بين الخبر والرأي، وبين التحليل والتحريض، وبين النقد السياسي وتصفية الحسابات.
وهنا تتحول الأزمات من قضايا تستدعي الحلول إلى مواد قابلة للاستهلاك الإعلامي. وكلما استُهلكت أزمة، جرى البحث عن أخرى، بينما تبقى المشكلات الحقيقية في مكانها.
ولست معنية كثيراً بعدد الذين يهاجمون الإمارات، بقدر اهتمامي بالسؤال عمن يستفيد من إبقاء هذا الهجوم مستمراً، ومن تحويل اسم دولة إلى وسيلة لتفسير كل إخفاق، ومن إشغال الناس بخصومات خارجية بينما تتراكم أمامهم الأسئلة الداخلية.
أما الإمارات، فلديها ما هو أهم من الانشغال الدائم بما يقوله الآخرون عنها. لديها دولة تديرها، ومصالح تحميها، وشراكات توسعها، ومستقبل تعمل من أجله.
والفرق كبير بين من يقضي وقته في بناء موقعه في العالم، ومن يقضي وقته في الاعتراض على موقع الآخرين.
وفي النهاية، سيظل الذباب يبحث عن مساحة يحط عليها، وسيظل الضجيج قادراً على لفت الانتباه لبعض الوقت.
لكن الدول لا تُقاس بمقدار الضجيج المحيط بها، وإنما بما يبقى من أثرها حين ينتهي.
ولعل أكثر ما يزعج الذباب في الإمارات أنها لا تحتاج إلى مطاردته كي تواصل طريقها.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبه، ولا تمثّل بالضرورة رأي «المجلس تايمز».
