حصريINSIDER · رأي

الهلال الأحمر الإماراتي وحمدان بن زايد: حين تصير الحوكمة أمانة

الخير لا يكفيه أن يكون كثيراً، يجب أن يكون صحيحاً. العطاء قيمة تربّينا عليها في دار زايد، لكن القيمة وحدها ما تكفي إذا ما كان وراها نظام يحميها.

بقلمحامد إبراهيم العلي · قراءة ٤ دقائق
حامد إبراهيم العلي
حامد إبراهيم العلي · كل كتّاب Insider

الخير لا يكفيه أن يكون كثيراً، يجب أن يكون صحيحاً. هذه فكرة أرجع لها كل ما قرأت خبراً عن العمل الإنساني في الإمارات: العطاء عندنا قيمة تربّينا عليها في دار زايد، لكن القيمة وحدها ما تكفي إذا ما كان وراها نظام يحميها، ويضمن إن المساعدة توصل لمن يستحقها، في وقتها، وبلا هدر.

وهنا بالضبط يأتي حديثي عن هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، وعن سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة ورئيس الهيئة.

هيئة قامت على الاستقلال والمسؤولية

بحسب القانون الاتحادي رقم (9) لسنة 2002، الهلال الأحمر هيئة اتحادية مستقلة، لها شخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، وتعمل بوصفها هيئة إغاثة طوعية تسند السلطات العامة في السلم والحرب وفق اتفاقيات جنيف والمبادئ الأساسية للحركة الدولية. يعني من البداية الإطار واضح: عمل إنساني بهوية وطنية، وبمرجعية قانونية، وبمبادئ معروفة، من الإنسانية إلى الحياد والاستقلال.

الأرقام تحكي، لكنها تفرض سؤال المسؤولية

في عام 2025 بلغت تكلفة برامج الهيئة ومشاريعها داخل الدولة وخارجها 924.3 مليون درهم؛ منها نحو 255.8 مليون درهم داخل الدولة استفاد منها 218,540 شخصاً، ونحو 668.5 مليون درهم خارجها استفاد منها 15.6 مليون شخص في عشرات الدول. وقبل ذلك، أعلنت الهيئة في أبريل 2023 أن برامجها خلال 15 عاماً بلغت قيمتها أكثر من 10.8 مليار درهم، واستفاد منها أكثر من 228 مليون إنسان في 128 دولة.

أنا لا أذكر هذه الأرقام للتفاخر، فالإمارات ما تحتاج تتفاخر. أذكرها لأن كل رقم بهذا الحجم يحمل مسؤولية بحجمه: من أين جاء المال؟ كيف أُنفق؟ ومن استفاد فعلاً؟ والمؤسسة التي تتحرك بهذا الاتساع إما أن تحكمها منظومة قوية، أو يأكلها الترهل. والإمارات ما تختار الخيار الثاني.

حمدان بن زايد: الإنسانية ثم الانضباط

في 28 أكتوبر 2026 ترأس سموه اجتماع مجلس إدارة الهيئة في قصر السيف، بعد قرار بإعادة تشكيل المجلس برئاسة خالد عبدالله بن شيبان المهيري. وما لفت نظري في كلمة سموه حسب وكالة أنباء الإمارات أنه ما اكتفى بالحديث عن الإنجاز، بل ربطه بـ«مسؤولية متجددة»، ودعا إلى تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة، وكفاءة إدارة الموارد البشرية والمالية، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير متابعة المشاريع وقياس أثرها، والاستفادة من التحول الرقمي، وتوسيع الشراكات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الإنسانية.

وأهم ما في كلامه عندي جملة واحدة معناها: أن تصل المساعدات إلى مستحقيها بكفاءة وشفافية. هذا هو جوهر الحوكمة. هي ليست ورقاً وإجراءات، هي ضمان إن الأمانة توصل لأهلها. وفي جدول الاجتماع نفسه: تطوير منظومة التفويض والاعتماد، وتحسين الإجراءات، وتعزيز الرقابة المؤسسية، والأمن السيبراني، والوضع المالي لعام 2026.

وحين يوجّه رئيس الهيئة بقياس الأثر لا بعدّ المشاريع فقط، فهو ينقل السؤال من «كم صرفنا؟» إلى «ماذا تغيّر في حياة الناس؟»، وهذا سؤال ما يطرحه إلا من يعتبر العمل الإنساني أمانة لا واجهة.

استراتيجية تضع الشفافية قيمة لا شعاراً

وفي الأول من سبتمبر 2026 أطلقت الهيئة استراتيجيتها للأعوام 2026–2029، المبنية على أربع قيم: الإنسانية والاستدامة والابتكار والشفافية، وأربعة محاور: الاستدامة المالية، واستدامة الأثر المجتمعي والتطوعي، وكفاءة العمليات الإغاثية والمساعدات، والخدمات المؤسسية الفعالة. وذكر الأمين العام أحمد ساري المزروعي أن من أبرز الممكنات: «السياسات والحوكمة»، والحلول الرقمية، والشراكات، والموارد البشرية.

ولو رجعنا لاستراتيجية 2022–2025، نلقى أن «بناء الثقة المؤسسية» كان أحد أهدافها الأربعة، مع قنوات لاستقبال آراء المستفيدين، وتقارير دورية للمتبرعين عن مساهماتهم. يعني الحوكمة هنا مسار متراكم لا قرار لحظة.

الخلاصة

ما أراه في هذا النموذج ثلاث أفكار:

  • الأولى: الثقة رأس مال العمل الإنساني. المتبرع يعطيك مالاً، لكنه في الحقيقة يعطيك ثقته، والحوكمة هي التي تحفظها.
  • الثانية: القيادة التي تسأل عن الأثر والمساءلة وهي في قمة الإنجاز، قيادة تعرف أن النجاح الحقيقي هو الذي يستمر.
  • الثالثة: الإمارات ما تعتبر الحوكمة ترفاً إدارياً، بل جزءاً من أخلاق العطاء نفسه.

الأمم لا تُقاس بكم تعطي، بل بكيف تعطي. وأنا أفخر إن بلدي يجمع بين قلب كبير يعطي، وعقل منظّم يحفظ هالعطاء.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبه، ولا تمثّل بالضرورة رأي «المجلس تايمز».

شارك المقال