الجزر الثلاث: حقٌّ لا يسقط بالتقادم

الحق لا يشيخ، ومن ظنّ أن مرور السنين يُبدّل الحقائق فقد أخطأ الحساب. الأرض التي تعرف أهلها تبقى تعرفهم، ولو طال الغياب.
وأبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى ليست ملفاً في أرشيف الخلافات، هي جزء من أرض الإمارات، وقضية وراها رجال يدافعون عنها بالقانون والدبلوماسية وصلابة الموقف، جيلاً بعد جيل.
جذور الحق
تشير الوثائق التاريخية المتداولة، ومنها وثائق الأرشيف البريطاني التي يستند لها باحثون إماراتيون، إلى أن الجزر الثلاث كانت للقواسم في الشارقة ورأس الخيمة منذ ما قبل عام 1750: أبوموسى تتبع الشارقة، وطنب الكبرى وطنب الصغرى تتبعان رأس الخيمة. وفي مكتبة قطر الرقمية ملف من المراسلات البريطانية بين 1871 و1900 يتناول ادعاء حاكم رأس الخيمة بملكية هذه الجزر. وذكر باحثون إماراتيون أن بريطانيا طلبت من حاكم رأس الخيمة عام 1957 رفع علمه على المباني الحكومية في الطنبين، وأنها احتجت عام 1961 على هبوط طائرة إيرانية في طنب الكبرى. وتؤكد دولة الإمارات أن الخرائط التي تحتج بها إيران لا تُنشئ حقاً في السيادة.
وللإنصاف، إيران تتمسك بموقف مخالف، وتقول إنها جزر إيرانية. لكن موقف الإمارات ثابت وواضح، ولا يتغير بتكرار الادعاء.
نوفمبر 1971: قبل يومين من الاتحاد
في 30 نوفمبر 1971، قبل انتهاء المعاهدات البريطانية، نزلت القوات الإيرانية في الجزر الثلاث. وأُعلن قيام دولة الإمارات في 2 ديسمبر، أي بعدها بيومين.
في أبوموسى سبقت الإنزال مذكرة تفاهم وُقّعت بوساطة بريطانية بين الشارقة وإيران. ونصت المذكرة صراحةً أن أياً من الطرفين لا يتنازل عن مطالبته بالجزيرة ولا يعترف بمطالبة الآخر، وبقيت لشرطة الشارقة نقطتها وعلمها في الجزء الذي احتفظت به الشارقة. هذه مذكرة تنظيم مؤقت، لا تنازل عن السيادة. وقد قال المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة آنذاك، إنه قضى نحو عامين في جمع الوثائق التي تثبت عروبة الجزيرة وتبعيتها للشارقة، وإن منطق القوة والتهديد لم يترك مجالاً للأدلة المشروعة، بحسب ما نقلته ورقة بحثية عن قوله.
أما الطنبان فلم يسبقهما اتفاق، فنزلت القوات الإيرانية فيهما بالقوة، وسقط في طنب الكبرى عدد من رجال شرطة رأس الخيمة وهم يؤدون واجبهم. وبعد الاتحاد بأشهر، انضمت رأس الخيمة في 10 فبراير 1972 بعد تأكيدات بأن الحكومة الاتحادية ستواصل المطالبة بالطنبين. هذا العهد ما نُسي، وما زال محفوظاً.
رجال يحملون القضية
نحن لا نحتفظ بهذا الحق لأنه ذكرى عزيزة، بل لأن له رجالاً يقومون عليه. رجال في الميدان الدبلوماسي يرفعون الصوت في المحافل الدولية، ورجال في القانون والتاريخ يجمعون الوثائق ويُعدّون الملفات، وقيادة لا تتنازل ولا تتعجل.
ولا يخفى أن الحق عندنا لا يسقط بالتقادم، ولا يُنسى بمرور الأعوام. جيل المؤسسين رفع الراية، والأجيال بعدهم حملتها، وهي اليوم بيد أبناء الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.
موقف واحد منذ البداية
وموقف الإمارات الرسمي لم يتبدل: حل سلمي عبر المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. فقد أكد معالي خليفة شاهين المرر، وزير الدولة، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 سبتمبر 2026 أن الإمارات تدعو باستمرار إلى تسوية سلمية لهذا النزاع، سواء عبر المفاوضات المباشرة أو باللجوء إلى محكمة العدل الدولية. وفي 14 أكتوبر 2026 أمام اللجنة الرابعة، أكدت الإمارات سيادتها الكاملة على الجزر، وأن أي قرارات أو ممارسات تتخذها إيران فيها «باطلة ولاغية، ولا تغير شيئاً من الحقائق التاريخية والقانونية».
وهذا الموقف ليس موقفاً إماراتياً وحده. فقد جدد المجلس الأعلى لمجلس التعاون في قمة البحرين الـ46 في ديسمبر 2025 دعمه لحق السيادة الإماراتية على الجزر ومياهها وإقليمها الجوي، ودعا إيران للاستجابة للمفاوضات المباشرة أو القضاء الدولي. وجددت جامعة الدول العربية دعمها «المطلق» لسيادة الإمارات في دورتها الـ164 في سبتمبر 2025، وبحث وزراء الخارجية العرب القضية في دورتهم الـ166 في سبتمبر 2026. كما أكد الاتحاد الأفريقي في بيان مشترك مع الإمارات في يناير 2026 دعمه للحل السلمي وفق القانون الدولي.
ضريبة التجاهل
ولو نرجع خطوة لورا، نسأل: كيف مرّ احتلال ثلاث جزر عربية قبل يومين من قيام دولة، والعالم يتفرج؟ العالم يومها تجاهل الجزر الثلاث، وغضّ النظر عن إيران، وحسب إن السكوت يشتري الهدوء. لكن السكوت عن التعدي الأول ما يجيب إلا تعدياً ثانياً. واللي سُكت عنه في 1971 صار نهجاً تتمدد فيه إيران في المنطقة، واليوم العالم كله يدفع ضريبة هذا التجاهل في أمنه واستقراره. فهل كان أحد يحتاج كل هالسنين عشان يفهم إن الحق اللي يُضيَّع في مكان، يتجرأ عليه المعتدي في كل مكان؟
الخلاصة
الطريق الذي اختارته الإمارات واضح: لا تصعيد ولا تهاون. دبلوماسية هادئة، وقانون دولي، وصبر أصحاب الحق الواثقين. والقوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت، بل في ثبات الموقف.
وستبقى أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى إماراتية رغم أنف من يعارض هذا الكلام
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبه، ولا تمثّل بالضرورة رأي «المجلس تايمز».
