من اختار لنا ما نريد؟
أكثر ما يثير استغرابي في حديث الناس عن حرية الاختيار هو الثقة المطلقة التي يتحدثون بها عن قراراتهم… فهل نؤمن فعلاً بحرية الاختيار، أم بحرية الآخرين في اختيار ما نراه مناسباً لهم؟

أكثر ما يثير استغرابي في حديث الناس عن حرية الاختيار هو الثقة المطلقة التي يتحدثون بها عن قراراتهم، وكأن الإنسان يولد وهو يعرف ما يريد، ثم يمضي حياته ببساطة في اختيار ما يناسبه.
لكن من قال إننا نعرف أصلاً ما نريد؟
ومن قال إن كل ما نريده هو بالضرورة نتاج إرادتنا؟
نحن نولد في عالم سبقنا إلى وضع قواعده، ونكبر وسط أفكار لم نشارك في صياغتها، ونتبنى قناعات قبل أن نمتلك القدرة على مناقشتها. ثم نصل إلى مرحلة من العمر نعتقد فيها أننا أصبحنا أحراراً، ونبدأ بالدفاع عن اختيارات ربما لم نخترها يوماً.
والمفارقة أننا قد نكون أكثر تمسكاً بالأفكار التي لم نخترها، لأن التشكيك فيها يعني التشكيك في جزء كبير من هويتنا.
لطالما اعتقدت أن رفاهية الاختيار من أكثر الامتيازات التي لا ننتبه إليها. ليس لأن الخيارات قليلة بالضرورة، بل لأن القدرة على الاختيار تتطلب ما هو أبعد من وجود البدائل.
تتطلب أن تعرف نفسك خارج توقعات الآخرين، وأن تستطيع التمييز بين رغبتك الحقيقية وما اعتدت أن تريده، وأن تمتلك مساحة كافية لتقول: هذه الحياة لا تشبهني.
وهذه المساحة تحديداً لا يملكها الجميع.
قد يعيش إنسان حياة كاملة دون أن يطرح على نفسه سؤالاً واحداً عن مدى اقتناعه بها. وقد يطرح السؤال متأخراً، حين تكون الإجابة قد أصبحت أكثر تعقيداً من قدرته على التعامل معها.
وهنا تبدأ المفارقة التي أجدها قاسية بعض الشيء.
نحن نطالب الإنسان بأن يكون صادقاً مع نفسه، لكننا لا نتقبل دائماً النتائج التي قد يصل إليها حين يفعل ذلك.
نطلب منه أن يعرف ما يريد، ثم نستغرب إذا اختلف ما يريده عما توقعناه منه. نشجعه على التفكير باستقلالية، بشرط ألا تقوده أفكاره إلى مكان لا يعجبنا.
حتى الحرية التي نتغنى بها، كثيراً ما نمنحها للآخرين ضمن حدود نضعها نحن.
فهل نؤمن فعلاً بحرية الاختيار، أم بحرية الآخرين في اختيار ما نراه مناسباً لهم؟
لا أعتقد أن المسألة تتعلق دائماً بوجود من يمنعنا من اتخاذ القرار. أحياناً يكون القيد أكثر هدوءاً وعمقاً. أن تعيش طويلاً داخل تصور معين للحياة حتى تفقد القدرة على تخيل حياة مختلفة.
أن تقتنع بأن ما اعتدت عليه هو ما تريده، وأن تتحول الألفة إلى قناعة، والتكرار إلى يقين.
والأغرب أن الإنسان قد يدافع عن واقعه بكل ما يملك، حتى حين لا يكون سعيداً به. ليس بالضرورة لأنه مقتنع، بل لأن الاعتراف بإمكانية وجود حياة أخرى يضعه أمام سؤال مزعج: لماذا لم أعشها؟
وهنا لا أرى أن الشجاعة تكمن دائماً في تغيير المسار. أحياناً يكون مجرد الاعتراف بأننا لم نختره بحرية كافياً لزعزعة كل ما اعتقدنا أننا نعرفه عن أنفسنا.
لكن ما يزعجني أكثر هو سهولة إصدار الأحكام على اختيارات الآخرين.
ننظر إلى قرار ما ونصف صاحبه بالضعف، أو التردد، أو غياب الشجاعة، دون أن نعرف إن كان قد امتلك فعلاً فرصة لاتخاذ قرار مختلف.
نحن نحاكم الناس على النتائج، ونفترض أن الخيارات التي كانت متاحة لنا كانت متاحة لهم أيضاً.
وهذا افتراض فيه قدر كبير من الغرور.
فليس كل من بقي أراد البقاء، ولا كل من غادر كان يملك رفاهية العودة، ولا كل من قبل بواقع ما كان مقتنعاً به.
بعض الناس يختارون ما يستطيعون احتماله، لا ما يتمنونه.
وبعضهم يتقنون التعايش مع قرارات لم يتخذوها، إلى درجة أنهم يتوقفون عن النظر إليها باعتبارها قرارات من الأساس.
ومع ذلك، لا أحب المبالغة في تصوير الإنسان كضحية دائمة لظروفه. فنحن مسؤولون عن كثير من اختياراتنا، وبعض القيود التي نشتكي منها نصنعها بأنفسنا، ثم نستخدمها لاحقاً لتبرير عجزنا عن التغيير.
لكن المسؤولية شيء، وافتراض تساوي القدرة على ممارستها شيء آخر.
فالحرية لا تُقاس بعدد الخيارات الموجودة أمام الإنسان، بل بمدى قدرته على النظر إليها دون خوف، واختيار أحدها دون أن يكون الثمن التخلي عن كل ما يشكل حياته.
وربما لهذا أجد أن أكثر الناس حظاً ليسوا بالضرورة أولئك الذين حصلوا على كل ما أرادوه، بل الذين امتلكوا فرصة أن يسألوا أنفسهم بصدق عما يريدون، وأن يغيروا إجاباتهم مع الوقت.
أن تعيد النظر في قناعاتك دون أن تعتبر ذلك هزيمة. أن تكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كنت عليه قبل عشر سنوات، دون أن تشعر بأن عليك الاستمرار في تمثيل تلك النسخة من نفسك.
أن يكون لك الحق في أن تتغير.
حتى هذا الحق، الذي يبدو بديهياً، لا يتاح للجميع بالقدر نفسه.
وأعتقد أن إحدى أكبر الخدع التي نمارسها على أنفسنا هي أننا نعيد تفسير ما حدث لنا على أنه ما أردناه منذ البداية. نتصالح مع ما لم نستطع تغييره، ثم نقنع أنفسنا بأننا اخترناه.
قد يكون ذلك ضرورياً أحياناً لنستمر في الحياة، لكنه يجعل الحدود بين الرضا والتكيف أقل وضوحاً مما نتصور.
لا أملك إجابة قاطعة عن مقدار الحرية التي نتمتع بها فعلاً. وربما لا توجد إجابة واحدة تصلح للجميع.
لكنني أعتقد أننا سنكون أكثر تواضعاً في أحكامنا على البشر لو أدركنا أن حرية الاختيار التي نعتبرها حقاً طبيعياً قد تكون بالنسبة إلى آخرين رفاهية بعيدة المنال.
وأحياناً أفكر أن السؤال الذي ينبغي أن يخيفنا ليس: ماذا لو اتخذنا القرار الخطأ؟
بل ماذا لو أمضينا حياتنا مقتنعين بأننا أصحاب القرار، بينما كل ما فعلناه هو أننا تعلمنا كيف نتقبل ما اختير لنا؟
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبه، ولا تمثّل بالضرورة رأي «المجلس».
