الإنسان الذي قضى عمره يدفع باب يفتح بالسحب
رجل يظل محبوساً في غرفة بابها غير مقفل، لأنه لم يخطر بباله أن يسحب الباب عوض أن يدفعه… تأمل في السجن الذي يصنعه العقل لنفسه، من أفلاطون إلى فيتغنشتاين.

أعتقد أن من بين جميع الفلاسفة الذين تأملوا مأساة الإنسان مع أفكاره، هناك من اقترب من أكثر السجون غموض، ذلك السجن الذي يقيم داخل العقل، ويمنح صاحبه شعور بأنه يفهم العالم بينما تزداد المسافة بينه وبين الحقيقة، فقد تحدث أفلاطون في (الجمهورية) عن أسرى الكهف الذين اعتقدوا أن الظلال هي الواقع، ودرس فرانسيس بيكون في (الأورغانون الجديد) الأوهام التي تشوه إدراك الإنسان، وتأمل سورين كيركغارد في (المرض حتى الموت) اليأس الذي يسكن علاقة الإنسان بذاته، وكشف جان بول سارتر في (الوجود والعدم) عن خداع الذات، وتناول دوستويفسكي في (الإخوة كارامازوف) خوف الإنسان من الحرية، بينما بحث إريك فروم في (الهروب من الحرية) عن الأسباب التي تدفع البشر للتخلي عن استقلالهم، وكأنهم اقتربوا من سؤال مرعب، كيف يتحول العقل الذي نحاول به فهم الوجود إلى سجن نقضي أعمارنا داخله.
غير أن لودفيغ فيتغنشتاين اقترب من هذه المعضلة بصورة شديدة البساطة، ففي ملاحظة كتبها عام 1942، ونشرت بعد وفاته ضمن كتاب (ثقافة وقيمة) (Culture and Value)، تحدث عن رجل يظل محبوس داخل غرفة، رغم أن بابها غير مقفل ويفتح إلى الداخل، لأن الرجل لم يخطر بباله أن يسحب الباب عوض عن دفعه، صورة تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها تفتح جرح فلسفي عميق، فالرجل يمتلك القدرة على الخروج، والباب أمامه، ولا توجد قوة خارجية تمنعه، ومع ذلك يظل اسير لفكرة واحدة استقرت داخل عقله، أن الباب ينبغي أن يدفع.
تخيل هذا الرجل وهو يقضي سنواته في دفع الباب، يستنزف قوته، ويزداد غضبه، ويبحث عن وسائل أكثر عنف لفتحه، وكلما فشل ازداد اقتناع بأن الباب مغلق بإحكام، حتى تصبح محاولاته الفاشلة أدلة يستخدمها لإثبات استحالة الخروج، وهنا تكمن المأساة، فقد استطاع العقل أن يبتكر تصور خاطئ للمشكلة، ثم استدعى كل قدراته للدفاع عن ذلك التصور، ليصبح الجهد نفسه وسيلة لإطالة الأسر، ويصبح الإصرار الذي نمدحه عادة سبب لاستمرار المعاناة.
كان فيتغنشتاين يرى في فلسفته المتأخرة أن كثير من المشكلات الفلسفية تنشأ من سوء فهم اللغة، حين تنتزع الكلمات من استعمالاتها اليومية، وتتحول إلى مفاهيم مجردة يتوه العقل في تفسيرها، فيسأل الإنسان عن العقل والمعنى والوعي بطريقة تخلق إلتباس جديد، ثم يقضي سنوات في بناء النظريات لمعالجة ذلك الالتباس، حتى تتضخم المشكلة داخل الفكر، ويغدو السؤال نفسه جزء من السجن الذي يحاول الفيلسوف مغادرته.
ومن هنا يمكن فهم الدفع والسحب بوصفهما استعارة لطريقتين في التفكير، فالدفع يمثل مواصلة المحاولة داخل الافتراضات القديمة، ومضاعفة الجهد دون مراجعة الاتجاه، أما السحب فيمثل لحظة الشك في الطريقة التي صيغت بها المشكلة، حين يتوقف العقل عن مطاردة الإجابة ويسأل عن طبيعة السؤال، وربما كانت هذه اللحظة أكثر ألم من الفشل نفسه، لأنها قد تكشف أن سنوات كاملة من التفكير قامت على افتراض لم يخضع للمراجعة.
وفي كتابه (بحوث فلسفية) (Philosophical Investigations)، وبالتحديد في الفقرة 309، طرح فيتغنشتاين صورة أخرى حين جعل غاية الفلسفة أن ترى الذبابة طريق الخروج من القارورة الزجاجية، ويمكن أن نتخيل الذبابة وهي تندفع نحو الضوء، وتصطدم بالزجاج الشفاف، ثم تعود لتكرر حركتها، عاجزة عن إدراك الطريق الذي يسمح لها بالمغادرة، وكأنها تعيش داخل عالم تحدده استجابة واحدة، وكل اصطدام جديد يعمق عجزها عن العثور على مخرج.
هذه الصورة تحمل معنى يتجاوز الحشرة والقارورة، فالإنسان يستطيع أن يكرر أفكاره وقراراته، وأن يعود إلى الأخطاء ذاتها، وأن يستخدم ذكاءه لتبرير المسار الذي يستنزفه، وقد يصبح شديد البراعة في تفسير معاناته، وعاجز عن مراجعة الافتراضات التي تساهم في استمرارها، وهنا تبرز فكرة العلاج الفلسفي عند فيتغنشتاين، حيث يسعى توضيح استعمال اللغة إلى تبديد الالتباس الذي يجعل بعض الأسئلة تبدو مستعصية، فقد يكون التحرر الفكري مرتبط بفهم الكيفية التي تشكلت بها المشكلة.
وربما كان أشد ما تثيره هذه الاستعارات رعب أن يكتشف الإنسان، بعد سنوات من المقاومة، أن الباب كان مفتوح طوال الوقت، وأنه استهلك عمره في الاتجاه الخاطئ، وأن السجن الذي اتهم العالم ببنائه كان قائم داخل تصوراته، وحين تمتد يده لتسحب الباب، سيجد نفسه أمام حقيقة قد تكون أقسى من الأسر، أنه أصبح مسؤول عن الحياة التي تنتظره خارجه.
فكم من إنسان يموت وهو يدفع باب كان يستطيع فتحه منذ البداية، وكم من إنسان يعرف أن الباب يفتح بالسحب، ويواصل دفعه لأنه يخشى اكتشاف ما ينتظره خلفه؟
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبه، ولا تمثّل بالضرورة رأي «المجلس».
